محمد بن علي الشوكاني
2291
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
شهادة أخرى محققه أن ذلك الإقرار صدر عن تواطؤ بين المقر والمقر له أن الإقرار ليس على حقيقته ، بل المال للمقر ، وإنما كان الإقرار لغرض . فإن الشهادة على التواطؤ تقضي ببطلان السبب الذي استند إليه الحكم ، وهو الإقرار . ولكن هذا إذا صحت الشهادة على التواطؤ ، وسلمت عن القادح . ومن النصوص المقتضية لما ذكرناه في ( شرح الأزهار ) ( 1 ) ولفظه : « وكذا لو قامت بينة أخرى تنقض بينة الحكم فإنه يحكم بها . نحو أن تقوم بينة بأن هذه الدار لزيد ، اشتراها من عمرو ، ثم تقوم بينة أن عمرو أقر بها للمبين الآخر قبل ذلك الشراء ؛ فإن هذه البينة الأخيرة تقنض الحكم الأول » انتهى . وقد ذكر صاحب ( البيان ) ( 2 ) كلامًا مفصلًا مفيدًا ولفظه : « مسألة : الحكم على وجوه ثلاثة : الأول : ينفذ فيه ظاهرًا لا باطنًا ( 3 ) وفاقًا ، وهو في صور أربع [ 3 أ ] .
--> ( 1 ) تقدم ذكره . ( 2 ) انظر : « مؤلفات الزيدية » ( 1 / 222 - 223 ) ( 3 ) قال جمهور العلماء : قضاء القاضي ينفذ ظاهرًا لا باطنًا ، لأنا مأمورون باتباع الظاهر ، والله يتولى السرائر فلا يحل هذا الحكم حرامًا ولا يحرم حلالاً ، فلو حكم بشهادة شاهدين ظاهرهما العدالة لم يحصل بحكمه الحل باطنًا ، سواء في المال وغيره لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته ، من بعض ، فأقضى له بنحو ما أسمع ، فمن قضيت له م حق أخيه بشيء فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار » . أخرجه البخاري رقم ( 2458 ) و ( 7181 ) ومسلم رقم ( 5 ، 6 / 1713 ) من حديث أم سلمة رضي الله عنها . وقال أبو حنيفة : إذا حكم الحاكم بعقد أو فسخ أو طلاق ، نفذ حكمه ظاهرًا وباطنًا ، لأن مهمته القضاء بالحق ، وأما الحديث فهو في قضية لا بينة فيها . وعلى هذا إذا ادعى رجل على امرأة أنه تزوجها ، فأنكرت فأقام على زواجها شاهدي زور ، فقضى القاضي بالنكاح بينهما ، وهما يعلمان أنه لا نكاح بينهما ، حل للرجل وطؤها ، وحل لها التمكين عند أبي حنيفة خلافًا للجمهور . ومثله لو قضى بالطلاق فرق بينهما عنده ، وإن كان الرجل منكرًا ، ويقاس عليه البيع ونحو . والخلاصة : إن القاضي في قول أبي حنيفة ينفذ قضاؤه ظاهرًا حيث كان المحل قابلاً لذلك كالعقود والفسوخ ، والقاضي غير عالم بزور الشهود ، وهذا القول وإن كان هو الأوجه في مذهب أبي حنيفة ، إلا أن المفتي به عندهم هو قول الصاحبين الموافق لبقية الأئمة وهو أن قضاء القاضي ينفذ ظاهرًا فقط لا باطنًا أي ليس الحلال عند الله هو ما قضى به القاضي ، بل ما وافق الحق . انظر : « البدائع » ( 7 / 15 ) « المغني » ( 14 / 34 ) .